وسط تحولات متسارعة في المنطقة .. “اتفاق مكة” يفشل في أول اختبار يمني

الوحدة:

نجحت القوات المسلحة اليمنية في إفشال اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تجمع السعودية وتركيا وباكستان، عقب مضي أقل من أسبوع على توقيعها لتعزيز الردع الجماعي ومواجهة التوترات الإقليمية، بتمكنها من تنفيذ هجمات جديدة استهدفت مصفاة أرامكو النفطية في جيزان؛ في أول اختبار عاجل للقدرات الردعية للاتفاقية، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو يُعتبر قانونياً وعملياً هجوماً على الجميع.

وقال الدكتور صريح القاز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة عمران، “إن اتفاقية الدفاع المشترك بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد هي محاولة سعودية للضغط على إيران جيو عسكرياً من دولتين لصيقتين بها، ذات وزن إسلامي سني وعسكري وبشري كبير، كرد على استراتيجية إيران في المنطقة “دعم الحلفاء”، التي باتت تطوق السعودية وتهددها على أكثر من جبهة، وبخاصة العراق واليمن، إلى جانب رغبتها في الاستقواء بثقل أنقرة وإسلام آباد، أمام الضغوط والاستغلال والابتزاز الأميركي الغربي التي تتعرض لها خلال السنوات الأخيرة”.

تآكل الثقة بواشنطن

وأضاف القاز في تصريح لـ”الوحدة”: “بعد أن تآكلت ثقة السعودية في واشنطن، القائمة وفق تحالف النفط مقابل الحماية واتفاق البترودولار، لجأت إلى مثل هذه الاتفاقية (التحالف مع باكستان وتركيا) كعامل وورقة ردعية إقليمية سنية مصالحية، لمواجهة إيران وحلفائها، سيما في ظل التطورات العسكرية الأخيرة المتواترة”.

وتابع: “تسعى الرياض لإظهار أن الغطاء النووي الباكستاني وجيش إسلام آباد الضخم قد يُسخَّران لها. كما تسعى للاستفادة من تركيا وخبرتها الصناعية العسكرية، بوصفها ثاني جيش في حلف الناتو، وذات إمكانيات عسكرية عالية”.

وأردف: “أما تركيا، فمصلحتها من هذه الاتفاقية هي اقتصادية في المقام الأول: اتخاذ السعودية ودول الخليج سوقاً لمنتجاتها العسكرية، مثل طائرات “بيرقدار” و”أكينجي”، وإنشاء بنى تحتية صناعية عسكرية تشاركية تسهم في تعاظم موقعها ووجودها في المنطقة العربية، سيما على البحرين العربي والأحمر، كدولة إسلامية سنية محورية”.

د.القاز: الاتفاقية محاولة سعودية للضغط على إيران التي تهدد الرياض على أكثر من جبهة

واعتبر أنها “تهدف إلى إرسال رسالة ضغط لدول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، بأن لديها أوراقاً وبدائل قوة كثيرة بعيداً عن أوروبا والناتو، إن استمر الاتحاد الأوروبي في تجاهل مطالبها الاندماجية العسكرية والاقتصادية معه، ورسالة في الوقت نفسه لأمريكا التي لم تعد تكترث بوحدة الناتو، ودأبت مؤخراً على الاستخفاف بأعضائه وتجاهل مكانتهم ومطالبهم، مثل طرد أنقرة من برنامج الـ F-35 ومعاقبتها لأنها اشترت منظومة S-400 الدفاعية من روسيا. فضلاً عن أن أنقرة تهدف إلى استثمار مثل هذه الاتفاقية في الحصول على مساعدات مالية سعودية تحت أي عنوان، لإنقاذ التدهور الذي يشهده قيمة الليرة التركية مؤخراً”.

ونوه قائلاً: “أما باكستان، فمن مصلحتها تسويق نفسها ضمنياً كقوة إقليمية نووية يعتد بها إقليمياً، وتحديداً داخل العالم الإسلامي، لتعزيز ثقة الدول الإسلامية (سواء السعودية أو الدول الأقل ثقلاً منها في المنطقة) بإسلام آباد، بما يسهم في تعزيز نفوذها الدبلوماسي والعسكري. إلى جانب أنها تحرص على تلقي مساعدات وتسهيلات وودائع مالية سعودية ضخمة واستثمارات، مثل إقناع الرياض بدفع حوالي 10 مليارات دولار لتمويل ممر اقتصادي يربط باكستان بالصين، ومشاريع تنمية مثل السدود وغيرها، لمواجهة الضغوط الاقتصادية ومعالجة عجز ميزانها التجاري”.

واستدرك متسائلاً: “لكن بعد أن تم التوقيع على هذه الاتفاقية، هل نتوقع نجاحها واستمرار بقائها، وهي تفتقر إلى وجود هيكل تنظيمي دقيق؟، وإذا افترضنا استمرارها، فكيف لنا أن نفترض ذلك، وقد فشلت العديد من التجارب المشابهة التي فيها من عوامل التجانس والتقارب ما هو أعمق، مثل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية وغيرهما؟، وهل هذه الاتفاقية قد تنهي التنافس السعودي التركي على زعامة المحور الإسلامي السني؟ وهل تنهي الخلافات بينهما حول ملفات كثيرة، مثل ملف الإخوان المسلمين؟”.

وأضاف: “الاتفاقية نصت على أن أي اعتداء تتعرض له أي من الرياض أو إسلام آباد أو أنقرة، فإنه يعتبر اعتداء عليها جميعاً. فهل نتوقع أن تتدخل تركيا تدخلاً عسكرياً مباشراً محدوداً أو شاملاً ضد إيران أو العراق أو اليمن إلى جانب السعودية، التي يهمها في المقام الأول حماية مصالحها وتأمين خطوط الطاقة بحرياً، في الوقت الذي يصل حجم التبادل التجاري بين أنقرة وطهران إلى عشرات المليارات سنوياً، وتمدها إيران بحوالي 17% من احتياجاتها الغازية؟، وهل قد تتجاهل أنقرة، ما يجمعها مع إيران من ملفات تعاونية حساسة، مثل ملف الأكراد؟، وهل ستتدخل باكستان أيضاً تدخلاً عسكرياً مباشراً محدوداً أو شاملاً ضد إيران أو العراق أو اليمن إلى جانب السعودية من أجل تأمين وحماية مصالح الأخيرة، وعلى الأراضي الباكستانية ملايين الشيعة، وتربطها بإيران ملفات استراتيجية مثل التبادل التجاري وجيش تحرير بلوشستان الباكستاني الانفصالي المتاخم لإيران؟ وهل تجرؤ باكستان على التدخل ضد إيران دون أن تضع أي اعتبار لموقف حليفها الرئيس بكين من ذلك التدخل، وبكين هي أهم وأكثر الداعمين لها ضد عدوها الأساسي نيودلهي؟، وهل طغيان الطابع الإسلامي على هذه الاتفاقية على حساب الطابع العربي مثل مصر تحديدًا كدولة مواجهة مع الكيان الإسرائيلي يؤشر إن الاتفاقية لا تستهدف الأخير؟، ولماذا مازالت المنطقة العربية والإسلامية تشهد تحالفات عسكرية وسياسية لا سبب ولا غاية لها سوى الصراعات البينية، فيما لا نرى أي تحالفات لا شكلية ولا واقعية تؤكد صراحة إنها ضد الكيان الإسرائيلي؟”.

ضعف هيكلي

بدوره قلل الباحث المصري، سامح عسكر، من جدوى اتفاقية الدفاع الثلاثية الجديدة التي تم الإعلان عنها بين السعودية وتركيا وباكستان.

وأكد عسكر، في نشر على حسابه بموقع “إكس”، رصدته “الوحدة”، أن هذه الاتفاقية تمثل إعلاناً رسمياً لوفاة جامعة الدول العربية وما تمثله من دفاع قومي مشترك، كما يعد إعلاناً بوفاة إكلينيكية لمجلس التعاون الخليجي وما يعبر عنه من قيم الهوية والمصالح المشتركة.

وأشار إلى أن هذه الاتفاقية ليست الأولى التي تجمع بين الدول الثلاث، حيث ترتبط تركيا باتفاق مع قطر، وباكستان مع السعودية سابقاً. ومع ذلك، لم تتمكن أي من هذه التحالفات من حماية حلفائها، لافتاً إلى أن قطر والسعودية تعرضتا لضربات من إيران ولم تتمكن أي دولة حليفة من الرد.

وبين أن السعوديين، على وجه الخصوص، أنشأوا تحالفات كثيرة لم تُفعّل. ولفت إلى عجز التحالفات الأخرى، مثل “التحالف الإسلامي” عام 2015 الذي لم يشهد أي مشاركة فاعلة، و”تحالف البحر الأحمر” عام 2026 الذي لم يشارك فيه أحد حتى الآن، ولا توجد خطة عسكرية جماعية للحركة ولا برنامج هوية مشترك، ويبدو تحالفاً شكلياً إعلامياً غرضه رفع المعنويات.

وأكد أن مثل هذه التحالفات تفشل في مهدها لأنها تقوم على الديانة والمذهب والأيديولوجيا، متجاهلة واقع المصالح والروابط الجيوسياسية المعقدة في المنطقة.

وأشار إلى وجود تقاطعات مصالح كثيرة تعيق هذه التحالفات، موضحاً أن تركيا وباكستان لا يمكنهما محاربة إيران لكونها أقرب إليهم من العرب، وأن السعودية وتركيا لا يمكنهما محاربة الهند لوجود مصالح وروابط كبيرة بينهما، وأن تركيا وباكستان لا يمكنهما محاربة فصائل محور المقاومة لئلا يُفسر ذلك اصطفافاً عملياً مع “إسرائيل”.

وأضاف: المصالح التركية والباكستانية تتقاطع مع الرغبة في يمن موحد مستقل عن النفوذ الخارجي، وهو ما يختلف عن مصلحة المملكة التي يهمها يمن تابع وحليف لا يشكل تهديداً، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن تركيا عضو في حلف الناتو ولا تدخل حروباً سوى بحساب وموافقة أوروبية.

وعن سبب عدم مشاركة مصر، رجح عسكر أن يكون العرض قد قُدم لمصر لكنها رفضته لعدة أسباب استراتيجية منها أن القاهرة لا تعقد تحالفات دفاع مشترك خارج الأمن القومي العربي، ولا تعقد تحالفات لصالح حلف الناتو (وجود تركيا)، ولا تتحالف عسكرياً مع رعاة الإخوان المسلمين (تركيا)، ولن تتحالف عسكرياً بشكل يدفعها للحرب المباشرة مع أي دولة عربية وإسلامية، التزاماً بقيم الاستقلال والثورة القومية، كما أن عقيدة الجيش المصري لا تضع خصوم التحالف كأعداء، مثل الأكراد وإيران والهند.

وأكد أن التحالفات التي تقوم على “الأخوة الدينية” أو “الهوية المشتركة” تنهار أول ما تتعارض مع المصلحة القومية الخاصة، مستشهداً بحلف بغداد عام 1955 ومعاهدة الدفاع العربي المشترك عام 1950، حيث تفوقت المصلحة القومية على الشعارات في النهاية. وشدد على أن الدول من الناحية السياسية تحركها القوة والمصلحة، وليس العاطفة أو المذهب.

عسكر: الاتفاقية إعلان رسمي بوفاة جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي

وأشار إلى أن هذه الاتفاقية تخلو من أسس التحالف العسكري التقليدي، مستشهداً بحلف الناتو الذي يمتلك قيادة مشتركة، قوات جاهزة، ميزانية، خطط طوارئ، وآلية قرار سريعة. فيما هذه الاتفاقية ليس لديها إشارة لقيادة موحدة، ولا قوات مشتركة دائمة، ولا ميزانية، ولا خصم مشترك، ولا حتى تحديد لمن يقرر “إن الهجوم وقع” أصلاً.

ولفت إلى الصعوبات اللوجيستية الناجمة عن البعد الجغرافي بين الدول الثلاث، حيث يمكن أن تتعرض خطوط الإمداد للضرب في حال وقوع حرب مباشرة.

واعتبر أن هذه الاتفاقية تخلق مأزقاً استراتيجياً وأخلاقياً للدول الثلاث، نظراً لتعارض المصالح وتناقض الأهداف، ما يؤكد أنها تحالف شكلي سيتبخر مع الوقت.

تحالف محكوم بالفشل

وكانت وزارة الخارجية والمغتربين بحكومة صنعاء، جدّدت التأكيد على أن أي تكتل إسلامي لا يجعل من القضية الفلسطينية ومواجهة العدو الإسرائيلي عنوانه الأبرز فهو يخدم أعداء الأمة ومحكوم بالفشل.

وقالت الوزارة في بيان لها: “الأحرى بالنظام السعودي أن يبحث عن تحالفات لإنقاذ الشعب الفلسطيني المظلوم وحماية المسجد الأقصى من العدو الصهيوني”.

وشددت على أن أي تكتل إقليمي أو عالمي لن يتمكن من مصادرة حقوق الشعب اليمني المشروعة، كما أكدت أنه لا توجد أي اتفاقيات مشروعة تمنح أي طرف كان حرية الإجرام ومصادرة حقوق البلدان الأخرى، مشيرة إلى أن أقصى ما سيحصل عليه رأس النظام السعودي من هذه الفعاليات هي التقاط الصور التذكارية.

وسبق أن أكد فخامة المشير الركن مهدي المشاط رئيس المجلس السياسي الأعلى، أن الاتفاقيات لا تسري بأثر رجعي، ومعادلة “الحصار بالحصار” مستمرة حتى تحقق أهدافها.

وقال الرئيس المشاط في تصريح لوكالة (سبأ) “إن من يُريد أن يشارك المعتدي السعودي في عدوانه وحصاره المستمر لـ 12 عامًا، فهو معتدٍ حتى إن غلف هذه المشاركة بعناوين براقة”.

وأضاف “من يشارك المعتدي السعودي في عدوانه وحصاره على بلدنا، فهو معتد والقانون اليمني حدد التعامل مع الدول المعادية”.

وخاطب الرئيس المشاط السعودي بالقول “وإن حشدت كل العالم إلى جانبك لن ينفعك، كلفة السلام العادل والمشرف وحسن الجوار أقل بكثير من الحرب”.

يأتي ذلك فيما اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي الاتفاق السعودي – التركي – الباكستاني الخاص بالدفاع المشترك بمثابة فهم تلك الدول بأن الأمن يعتمد على تعاون دول المنطقة، مؤكداً أنها لم تجد الطريق الصحيح.

وجدد تحذيره من حدوث خطأ في التقدير، مؤكداً أن طهران أظهرت باعتبارها قوة عظمى أن أي خطأ لن يمر دون عقاب.

وكانت السعودية أعلنت مطلع الأسبوع الجاري، توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا وباكستان بعد سنوات من الاعتماد على الحماية الأمريكية، في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات غير مسبوقة مع محاولة كل طرف تسيد المشهد رغم فشل أمريكا وإسرائيل بإخراج إيران من المعادلة.

Comments are closed.

اهم الاخبار