د. علي الرحبي: الإمارات بين حلم التقسيم وكابوس العزلة
عندما سقطت صواريخ وطائرات إيران المسيرة على أبوظبي ، كانت الإمارات تنتظر من “العالم العربي والإسلامي” وقفة تضامن أسطورية. لكن الذي حدث كان صادماً لأبوظبي: صمت مطبق، بل وشماتة علنية من بعض الأطراف.
لماذا؟ لأن شعوب المنطقة بدأت تفهم أن من يزرع الرياح سيحصد العواصف، وأن أيدي الإمارات الممدودة لتقسيم اليمن وتمزيق السودان وتركيع ليبيا هي ذات الأيدي التي لم يشفع لها المال ولا الإعلام ولا القواعد العسكرية عندما جاء الرد الإيراني. هذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل محمد بن زايد يعيد حسابه قبل فوات الأوان.
محمد بن زايد يريد أن تكون له “إمبراطورية صغيرة” تمتد من باب المندب إلى سواحل الصومال، ومن الخرطوم إلى بنغازي. وهو يظن أنه يستطيع فصل الجنوب اليمني عن الشمال، وإقامة “كيان موالٍ” يخدم أجندته في مكافحة أي مشروع نهضوي عربي مستقل.
لكنه يغفل حقيقة ذهبية: اليمنيون، مهما اختلفوا، سيجدون أنفسهم في مواجهة مشروع التقسيم أكثر اتحاداً من أي وقت مضى. لماذا؟ لأن فكرة “اليمن” الواحد متجذرة في الضمير الجمعي لليمنيين أكثر من أي هوية أخرى. أي محاولة لقطع هذا التوأم التاريخي بين صنعاء وعدن ستتحول إلى لعنة على من حاولها.
ألست يا محمد بن زايد قادماً من دولة اتحادية قائمة أصلاً على ائتلاف هش من سبع إمارات؟ ما يمنع اليمن من الوحدة هو التدخل الخارجي، لا رغبة اليمنيين في الانقسام.
أما ما يمنع اتحاد إماراتك من التفكك فهو القبضة الأمنية الحديدية، لا الإيمان الداخلي بالوحدة. جرب أن تترك المجال مفتوحاً يوماً للانتخابات الحرة في دبي والشارقة وعجمان، ستكتشف أن “حلم الوحدة” الإماراتي أكثر هشاشة من “حلم التقسيم” اليمني. التاريخ يعيد نفسه: من يحلم بتقسيم غيره قد يجد نفسه مقسماً قبل أن يتحقق حلمه.
وهنا يأتي الدرس الأكبر الذي لا تريده أجهزتك الإعلامية أن يصل إلى الشارع الإماراتي. عندما ضربت صواريخ إيران والمسيرات اللجيش اليمني قلب أبوظبي قبل سنوات، توقعت الإمارات أن تصطف خلفها الأمة العربية والإسلامية كما تصطف خلف مكة أو القدس.
لكن الواقع كان مختلفاً تماماً. لم تقف شعوب العالم العربي والإسلامي بجانب الإمارات في محنتها كما توقعت، بل إن بعضها – وهو الأكثر إيلاماً – تشفى علناً، بل ووقف في صف إيران. لماذا يكره العرب والمسلمون من يدّعي حماية العرب والمسلمين؟ لأنهم أدركوا أن مشروع محمد بن زايد ليس مشروع أمة، بل مشروع تفكيك وهيمنة تحت غطاء “محاربة الإرهاب”.
الشعوب العربية والإسلامية لم تنس غزة، لكنها لم تنس أيضاً أن الإمارات كانت من أوائل من طبع مع إسرائيل، ومن أوائل من سهل لسفنها عبور باب المندب، ومن أوائل من جعل من قواعدها في اليمن والصومال نقاطاً لوجستية لمصلحة الأسطول الغربي والصهيوني، وليس لمصلحة العرب والمسلمين. لذلك، لم تجد الإمارات من يدافع عنها إلا صواريخها وطائراتها ومرتزقتها، ولم تجد من يبكي على ضحاياها إلا قادتها وإعلامها المأجور.
أنت يا محمد بن زايد، حين تتدخل في السودان لتشعل حرباً أهلية بين الجيش والدعم السريع، وحين تموّل فصائل متطرفة في ليبيا، وحين تحاول اقتطاع جنوب اليمن من شماله، وحين تغلق موانئ الحديدة وتجوع ملايين اليمنيين، وحين تبيع الجزر اليمنية لقواعد أجنبية – فأنت في الحقيقة تشتري كراهية الشعوب العربية والإسلامية بسعر بخس.
وهذه الكراهية تترجمت عملياً يوم وقف العرب والمسلمون متفرجين على صواريخ إيران وهي تسقط على أرضك. لم يتحرك أحد لمساعدتك، لأنهم يرون فيك مشروعاً معادياً لهم قبل أن يرونك حليفاً. التطبيع مع إسرائيل لم يمنحك حصانة من الصواريخ الإيرانية، كما أن المليارات التي صرفتها على الإعلام واللوبيات لم تشترِ قلب مواطن عربي واحد. الدليل أنهم شعروا بالشماتة لا بالحزن، وأنهم دعوا لإيران قبل أن يدعوا لك.
نصيحتي لك ليست مجرد كلمات، بل هي واجب وطني عربي وأخلاقي. توقف. توقف عن التدخل في شؤون العرب وكأنهم مقاطعات تابعة لقصرك. توقف عن تغذية الصراعات في اليمن والسودان وليبيا والصومال بالمال والسلاح والمرتزقة. توقف عن تخيل أنك “وصي” على المنطقة لأنك تمتلك أسطولاً جوياً ونفطاً وبترودولار. الاحترام الإقليمي لا يُشترى، والهيمنة لا تُباع. قد يخاف منك حكام تابعون، لكن الشعوب لن تخاف منك أبداً. هذه الشعوب ستتذكر يوماً أنك جوعت أطفال اليمن وأسكتت ثورات الحرية وقتلت الثوار في السودان وشرذمت ليبيا. و: “لحم اليمني مر”. والمرارة التي تتجرعها شعوب المنطقة اليوم من سياساتك ستتحول غداً إلى كراهية مدمرة لن تقف عند حدود التدخل.
ربما أنت قوي اليوم بالمال والسلاح والدعم الغربي. ربما أنت محمي بالقواعد الأمريكية والخامس أسطول ومقاتلات إف-35. لكنك على خطأ كبير إن ظننت أن هذه المعادلة ستبقى إلى الأبد. حين تنهار الأحلاف الدولية، وحين تتراجع الإمبراطوريات، وحين يتحول العالم من قطبية وحيدة إلى تعددية قطبية، ستجد نفسك وحيداً مثلما كنت وحيداً أمام صواريخ إيران.
الشرق الأوسط يتغير، ومحور المقاومة يتحول، والقوى الكبرى تعيد رسم تحالفاتها. فهل أنت مستعد لليوم الذي لن تجد فيه أحداً يدافع عنك؟ هل أنت مستعد ليوم يسقط فيه القناع عن “حلم الريفيرا العربية” ويكتشف العالم كله أنه كان مجرد فقاعة عقارية على حساب دماء اليمنيين والسودانيين؟ الإمارات الصغيرة بحاجة إلى أصدقاء أكثر مما تحتاج إلى أعداء، وبحاجة إلى مشروع إقليمي يقوم على التعاون والتنمية لا على التدخل والتقسيم والهيمنة.
عود إلى رشدك قبل فوات الأوان. ليكن ميراثك السياسي بناء جسور مع الشعوب لا بناء ثكنات على رقابها. تذكر دائماً: الأوطان تبقى بالإرادة لا بالإكراه، والإمارات التي تحلم بتقسيم اليمن قد تكون نفسها التي يطويها التاريخ قبل أن يُطوى اليمن.
التاريخ يعيد نفسه، وقد تأتي الأيام التي تنهار فيها الأحلام العابرة على صخور الحقيقة العربية، وتتفكك الإمارات السبع قبل أن ينفصل جنوب اليمن عن شماله. وإذا حدث ذلك، فلن تجد من يبكي عليك، لأنك لم تبكِ على أحد.
Comments are closed.