أحمد المؤيد: طهران تستدرج ترامب لمسار الاستنزاف
في فترة اللا سلم واللا حرب، وفي لحظة دولية مرتبكة حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية؛ رمى ترامب الكرة في ملعب الإيرانيين وحاصرهم قائلاً: “أنتظر أي مقترحات منكم”.
وفعلاً، طرحت إيران مقاربة تفاوضية لا يمكن اختزالها في مجرد “شروط سياسية”، بل يجب قراءتها كإعادة هندسة كاملة لمسار الأزمة. ما قدمته طهران ليس عرضاً واحداً، بل ثلاث مراحل منفصلة، مترابطة عملياً لا زمنياً، إذ لا يمكن الانتقال إلى التالية قبل إغلاق السابقة. هذه النقطة وحدها تكشف أن إيران لا تتفاوض تحت الضغط، بل تفرض إيقاعاً جديداً للتفاوض.
المرحلة الأولى:
إيقاف الحرب على إيران ولبنان بضمانات دولية موثوقة، وكما يبدو فإن هذا البند ليس إنسانياً فقط، بل سياسي بامتياز؛ لأنه يضع ترمب أمام اختبار حقيقي: هل الهدف هو إنهاء التصعيد أم إدارة الفوضى؟
قبول هذا الشرط يعني اعترافاً ضمنياً بأن مسار الضغط والتصعيد لم يحقق أهدافه، أما رفضه فيعني استمرار نزيف مفتوح في وقت لم يعد فيه الاقتصاد العالمي يحتمل صدمات إضافية؛ من اضطرابات الطاقة إلى التضخم المتسارع.
المرحلة الثانية:
مناقشة مضيق هرمز ضمن إطار قانوني دولي؛ وهنا تنتقل إيران من الميدان العسكري إلى ساحة القانون الدولي. فهي لا تطرح إغلاق المضيق، بل تطرح موضوع السيادة عليه، فتحويل ملف المضيق إلى نقاش قانوني يعني “تدويل القضية”، وبالتالي تقليص هامش المناورة الأمريكي الذي يعتمد تاريخياً على فرض الأمر الواقع.
المرحلة الثالثة:
مناقشة الملف النووي، وهنا تكمن الحنكة الحقيقية؛ فبدلاً من البدء بالملف النووي كما كانت تطالب واشنطن، تدفع إيران به إلى المرحلة الأخيرة. هذا الترتيب المقصود ليس تفصيلاً، بل استراتيجية تقول: “لا تفاوض على الورقة الأقوى قبل تثبيت التهدئة وضبط الإطار القانوني للصراع”؛ بهذا، تتحول الورقة النووية من نقطة ضغط على إيران إلى أداة تفاوض بيدها.
والأهم أن العالم نفسه لم يعد مستعداً لتحمل كلفة مغامرات غير محسوبة، خصوصاً في ظل أزمات اقتصادية متراكمة وانعدام توقيت مطمئن لقرب حل الأزمة. وفي هذا السياق، تبرز تصريحات المستشار الألماني التي تعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن إيران تدير التفاوض ببراغماتية عالية، بينما تعاني واشنطن من غياب رؤية واضحة لنهاية الأزمة.
إيران اليوم لا تتحرك من موقع قوة تقليدية، بل من موقع إدارة ذكية للأزمة؛ هي تستثمر في الوقت، وفي الشرعية الدولية، وفي إرهاق خصمها سياسياً واقتصادياً. بمعنى أدق، إيران لا تكسب لأنها الأقوى، بل لأنها تدفع الطرف الآخر إلى خيارات كلها مكلفة؛ إما القبول بشروط تدريجية تعيد صياغة قواعد اللعبة، أو الاستمرار في مسار استنزافي لا يملك له نهاية واضحة.
Comments are closed.