مضيق “اللا عبور”: كيف أعاد اليمن رسم قواعد الاشتباك وأجبر الأساطيل الأمريكية على التراجع؟
لطالما اعتُبر مضيق باب المندب شرياناً عالمياً تتدفق عبره روح التجارة الدولية، لكن الخارطة الجيوسياسية لهذا الممر المائي شهدت في الآونة الأخيرة تحولاً دراماتيكياً لم يتوقعه أكثر الخبراء العسكريين تشاؤماً في واشنطن. فاليوم، لم تعد القصة تدور حول حماية السفن التجارية فحسب، بل برزت معضلة أعمق واجهتها البحرية الأمريكية: كيف تحمي قطعها الحربية “الفولاذية” من تهديد يمني كسر هيبة التواجد العسكري في مياه البحر الأحمر؟ إن اضطرار الولايات المتحدة لتجنب عبور سفنها الحربية أو تغيير مساراتها بعيداً عن مرمى الصواريخ والمسيرات اليمنية لا يمثل مجرد تكتيك عسكري مؤقت، بل هو اعتراف ضمني بفشل نظرية “الردع المطلق” أمام استراتيجيات الحرب غير المتكافئة.
إن المشهد الذي نراه اليوم في الممر الدولي يعكس واقعاً جديداً فرضته صنعاء، حيث لم تعد القوة النيرانية الهائلة للمدمرات الأمريكية كافية لتأمين “مرور آمن”. لقد أدرك البنتاغون أن تكلفة البقاء في حالة استنفار دائم داخل منطقة قتل ضيقة ومكشوفة أصبحت باهظة، ليس فقط من الناحية المادية — حيث تُكلف صواريخ الاعتراض ملايين الدولارات مقابل مسيرات زهيدة الثمن — بل من ناحية السمعة العسكرية والسياسية. فعندما تضطر حاملات طائرات ومدمرات بمليارات الدولارات للابتعاد أو اتخاذ مسارات “حذرة” لتجنب المواجهة المباشرة، فإن ذلك يرسل رسالة واضحة للعالم بأن موازين القوى البحرية التقليدية لم تعد صالحة لإدارة صراعات الممرات المائية الحديثة.
هذا التحول اليمني في إدارة المعركة لم يعتمد على مضاهاة القوة الأمريكية، بل على استغلال “الجغرافيا القاتلة” لمضيق باب المندب وتحويله إلى ساحة اختبار فاشلة للتقنيات الدفاعية الغربية. إن إجبار واشنطن على إعادة التفكير في جدوى عبور قطعها البحرية يمثل سابقة تاريخية؛ فالبحرية التي كانت تجوب البحار دون رادع، وجدت نفسها أمام خصم يمتلك “جرأة القرار” والقدرة على تعطيل أهم الممرات اللوجستية في العالم بأدوات محلية الصنع. هذا التراجع الأمريكي ليس مجرد “تجنب” تقني، بل هو انكسار لمنطق الهيمنة الذي ساد لعقود، مما وضع السياسة الخارجية الأمريكية في مأزق أمام حلفائها الذين كانوا يراهنون على الحماية الأمريكية لخطوط الملاحة.
وفي نهاية المطاف، يبرز السؤال الجوهري الذي يطارد قادة الأساطيل في واشنطن: ما هي قيمة القوة البحرية العظمى إذا كانت لا تستطيع تأمين مرور بارجة واحدة دون المخاطرة بغرقها أو إصابتها؟ إن اليمن، بفرضه لهذا الواقع، قد أغلق “قوس العبور” الآمن أمام الأساطيل الأمريكية، محولاً باب المندب من ممر مفتوح للإرادة الغربية إلى منطقة “محرمة” تفرض فيها القوى المحلية شروطها، وهو ما يمثل أكبر ضربة استراتيجية لمفهوم “حرية الملاحة” كما تعرّفه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المصدر : ردار ٣٦٠
Comments are closed.