د. ربيع شاكر المهدي: اللا تزامن في الزمن الواحد.. عندما يصبح الزمن جغرافيا والمكان تاريخاً

لا تبدأ الأزمات الكبرى للدول من انهيار ميزانياتها أو تدمير بناها التحتية فحسب بل تبدأ من لحظة الانفصال الوجودي عن العصر إنه تجسيد حي لمفهوم اللا تزامن في الزمن الواحد حيث يعيش البشر في نفس العام التقويمي لكنهم ينتمون لقرون معرفية وحضارية مختلفة فاللا تزامن ليس اختلافًا في التوقيت بل اختلاف في المرحلة الحضارية رغم العيش في الزمن التقويمي نفسه وأخطر مظاهر اللا تزامن أن يصبح الإنسان معاصرًا للتكنولوجيا بيده لكنه يعيش بعقلية تعود إلى قرون مضت.

في اليمن لا تُقاس المسافات بيننا وبين العالم بالكيلومترات بل بالسنوات الضوئية الحضارية فعندما أشاهد كأس العالم من هنا من اليمن في الشاشة التي تختزل ذروة التكنولوجيا والتنظيم والرفاهية الإنسانية يحدث تصادم معرفي في الوعي وأشعر بأن العالم يعيش المستقبل عالم آخر ورموز تطويع الفيزياء ونحن لازلنا نعيش في الماضي ومجاز التاريخ .. ليس تاريخ المجد بل تاريخ المعاناة وصراع البقاء وبيننا وبين العالم فجوة زمنية كبيرة جدا وكأننا في اليمن فوق سفينة تتلاطمها الأمواج وتتحرك ولكنها تدور حول نفسها في بحر لجي ونرى أمامنا جزيرة جميلة تمثل العالم الحديث يعيشها العالم فيها ناطحات سحاب ونهضة غير عادية تلوح في الأفق.

المأساة هنا ليست في قوة الأمواج الخارجية فقط بل في الوعي الداخلي لركاب السفينة حيث يصر الكثير منهم على خرقها كل في مكانه دون أن يرى الأفق لتستعد السفينة بالغرق ووسط هذا الغرق الوشيك تظهر طيور النورس وهم منا حيث تظهر الطفلة المبدعة لمى قيس والطبيب الذي يواصل إنقاذ الأرواح رغم شح الإمكانات والمهندس الذي يبتكر حلولا من قلب الحرب والباحث الذي يرفع إسم اليمن عاليا والمخترع الذي يحول الفكرة إلى إنجاز ورائد الأعمال الذي يصنع فرصة من رحم الأزمة وغيرها من النماذج اليمنية المضيئة في مختلف المجالات ممن يصنعون الأمل بصمت .. هؤلاء جميعا يحاولون جر سفينتنا نحو بر الأمان لنلحق بركب العالم وهكذا يتجلى المشهد بوضوح فعندما تنهار الحضارات أو توشك السفن على الغرق لا ينقذها المجموع الخامل أو الهادم بل تنقذها قلة تمتلك الاستجابة الفائقة للتحديات وهؤلاء المبدعون هم بمثابة طيور النورس التي تطير فوق السفينة المتهالكة إنهم يربطون السفينة بحبال الوعي ويحاولون جرّها نحو جزيرة الأمان.

لمى قيس وأمثالها من الأطفال المبدعين يمثلون المستقبل غير الملوث هم الدليل على أن الجينات اليمنية لم تصدأ وأن العقل اليمني يمتلك مرونة فطرية قادرة على التكيف مع التكنولوجيا والابتكار بمجرد ملامستها والطبيب والمخترع والمهندس اليمني في ظروف الحرب والشتات هم عبارة عن مقاومة وجودية وإبداعهم هو فعل تمرد على الغرق.

الاستشراف لا يعني البكاء على أطلال السفينة بل يعني رسم مسار النجاة بناءً على المعطيات الحالية لكي نصل إلى بر الأمان ونردم الفجوة الزمنية .. يحتاج العقل اليمني إلى تحول استراتيجي.

اليمن ليس بحاجة للمرور بكل المراحل التاريخية التي مرت بها أوروبا أو دول المنطقة أو دول مثل رواندا وسنغافورة لكي يصل لأنه لم يعد يملك ترف الوقت فهناك ما يسمى القفز فوق المراحل فيمكن لليمن عبر دعم عقول مثل لمى قيس والمبدعين والمخترعين الانتقال مباشرة إلى اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة مستغلين عمقهم البشري الشاب.. فالأخطر من الغرق هو أن يعتاد ركاب السفينة على الغرق ويسخروا من الطيور التي تحاول إنقاذهم ومن هنا يصبح السؤال ليس وصف الحالة بل كيفية تجاوزها.

اليمن اليوم يعيش مخاض الانتقال والخرق الذي يحدثه البعض هو زَبَدٌ سيذهب جفاءً أما ما ينفع الناس من إبداعات لمى والأطباء والمهندسين والمخترعين فهو ما سيمكث في الأرض صحيح قد تكون سفينتنا مثقلة بالآلام والجراح وتدور في حلقة مفرغة لكن طيورنا قوية الأجنحة ممتدة الوعي وعابرة للقارات والجزيرة الملوحة في الأفق ليست سراباً بل هي حتمية تاريخية سنصل إليها يوماً لأن التاريخ يُعلمنا أن الشعوب الحية قد تمرض وقد تتأخر لكن وعيها المتجدد يرفض الموت تحت الأمواج.

فالفرق بين الأمم لا يصنعه اختلاف الساعة التي تشير إليها عقارب الزمن وإنما اختلاف الوعي الذي يحسن استثمار كل ساعة وحين يستيقظ العقل اليمني لن ينتظر الزمن حتى يلحق به بل سيصنع زمنه الجديد بنفسه فالزمن لا ينتظر… بل ينتج.

Comments are closed.

اهم الاخبار