كيف تحولت الأرض المهجورة بجامعة صنعاء لمزرعة بُن؟

​نجيب علي العصار

​تحت أشعة الشمس الحارقة وفي قلب العاصمة صنعاء، لم يكن المشهد أمام كلية الهندسة بجامعة صنعاء مألوفاً؛ معدات ثقيلة تزيح الصخور وتمهد الأرض، وأنابيب ري حديثة تمتد لمئات الأمتار، وعشرات الأكاديميين والطلاب يعملون جنباً إلى جنب لغرس شتلات يافعة من البن الحرازي الجعدي في أرجاء الحرم الجامعي.

​وفي قطعة أرض مهجورة كانت تعج بمخلفات البناء والصخور، نجحت الجامعة في تحويلها إلى مشروع زراعي واعد يهدف إلى إحياء أحد أهم المحاصيل النقدية التي ارتبطت باسم اليمن عبر التاريخ، وذلك بالتزامن مع احتفالات الشعب اليمني بالعيد الـ 36 لقيام الوحدة اليمنية.

​مرحلة أولى لمشروع أوسع

​يؤكد رئيس جامعة صنعاء، الدكتور محمد البخيتي، أن تدشين مشروع زراعة 2400 شتلة بنٍ يجسد ارتباط اليمنيين بأرضهم وتراثهم الزراعي، ويأتي احتفاءً بالوحدة اليمنية، بحسب ما أورده “إعلام جامعة صنعاء”.

​وأوضح أن الجامعة تتطلع إلى استصلاح مساحات إضافية داخل الحرم الجامعي، بما يسهم في تعزيز الجانب التطبيقي لطلاب كلية الزراعة ودعم جهود التنمية المستدامة.

​وأشاد البخيتي بمبادرة شركة “حراز كوفي” لتوفير شتلات البنِ الحرازي الجعدي، مشيراً إلى أن المشروع يمثل المرحلة الأولى من خطة أوسع تستهدف نشر ثقافة زراعة البنِ وتعزيز حضوره في المؤسسات التعليمية.

​د. البخيتي: زراعة 2400 شتلة بنٍ في جامعة صنعاء يجسد ارتباط اليمنيين بأرضهم وتراثهم الزراعي

​كما دعا الجهات الحكومية والخاصة إلى دعم هذا التوجه، باعتبار البنِ محصولاً استراتيجياً يحمل اسم اليمن إلى الأسواق العالمية ويعزز التنمية الزراعية المستدامة.

​إحياء إرث البنِ

​من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة “حراز كوفي”، الشيخ غالب الحرازي، أن اختيار جامعة صنعاء لاحتضان المشروع يعكس مكانتها الوطنية ودورها المحوري في نقل التجارب الزراعية الناجحة إلى المؤسسات التعليمية والمجتمعات المحلية.

​وقال الحرازي لـ “الوحدة” إن المبادرة تستهدف إحياء زراعة البنِ انطلاقاً من الجامعة وصولاً إلى مختلف مناطق الريف، بما يسهم في ترسيخ ثقافة هذا المحصول والحفاظ على إرثه الحضاري.

الحرازي: نسعى لنقل تجربة زراعة البن من جامعة صنعاء إلى الأرياف

​وأضاف أن صنف “البنِ الجعدي الحرازي” المزروع في المشروع يُعد من أجود أصناف البن اليمني، لما يتمتع به من إنتاجية مرتفعة وقدرة عالية على التأقلم مع مختلف الظروف المناخية، بما في ذلك المناطق الباردة، فضلاً عن ارتباطه التاريخي بهوية اليمن الزراعية.

​ربط التعليم بالتنمية

​بدوره، ثمّن رئيس اتحاد جمعيات منتجي البن، محمد عثمان، مبادرة جامعة صنعاء، معتبراً إياها نموذجاً وطنياً رائداً يجمع بين التعليم والتنمية والحفاظ على الهوية الوطنية.

​وأكد أن المشروع يسهم في استعادة المكانة التاريخية للبنِ، ويشجع المزارعين على التوسع في زراعته باعتباره محصولاً اقتصادياً مستداماً يمتلك فرصاً واعدة في الأسواق المحلية والعالمية.

​تحديات وحلول مبتكرة

​وفي السياق ذاته، استعرض مدير عام الحدائق بجامعة صنعاء، المهندس عبد الرحمن الصبري، حجم التحديات التي واجهت تنفيذ المشروع، وفي مقدمتها المخلفات المتراكمة والمنحدرات الصخرية الحادة، والتي جرى التعامل معها باستخدام معدات ثقيلة واستبدال التربة غير الصالحة بأخرى زراعية مناسبة.

​وأوضح الصبري لـ “الوحدة” أن الفرق الفنية نفذت خنادق عميقة لشتلات البن بهدف تعزيز انتشار الجذور وتحسين نموها، إلى جانب زراعة 100 شتلة من أشجار الخروب لتعمل كمصدات طبيعية للرياح الموسمية.

​ولمواجهة تحديات شح المياه، جرى إنشاء منظومة ري حديثة بالتنقيط عبر تمديد أنابيب وكابلات بطول 250 متراً لربط المزرعة ببئر الجامعة، بما يضمن توفير برنامج ري دقيق يحد من الهدر ويرفع كفاءة استخدام المياه، بحسب الصبري.

الصبري: حوّلنا 6200 متر مربع إلى واحة لـ 2400 شتلة بنٍ

​وأشار إلى أنه تم حتى الآن غرس 1400 شتلة من صنف “الجعدي الحرازي” في مساحة تقدر بنحو 6200 متر مربع، على أن تُستكمل زراعة بقية الشتلات تدريجياً بما يحقق التظليل البيني ويخفف من تأثير الإجهاد الحراري على النباتات.

​واختتم الصبري حديثه بالتأكيد على أن المشروع يوفر مساحة تدريبية عملية لطلاب الجامعة، خصوصاً طلاب كلية الزراعة، للاطلاع على أساليب إدارة المحاصيل الحديثة وأنظمة الري المستدامة.

​نكهة فريدة

​ويُعد البنُ الجعدي الحرازي من أفخر أصناف البنِ في اليمن وأكثرها طلباً في الأسواق العالمية المتخصصة بالقهوة، لما يتميز به من نكهة فريدة ورائحة عطرية مميزة، فضلاً عن إنتاجيته الجيدة وانتظام إثماره سنوياً، ما يجعله أحد أبرز الأصناف القادرة على تعزيز حضور البن اليمني في الأسواق العالمية.

Comments are closed.

اهم الاخبار