“الخط البرتقالي” في غزة: سيطرة متزايدة وتحذيرات من خنق إنساني متصاعد
في مشهد يعيد إنتاج وحشية الحرب ولكن بأدوات أكثر خبثاً، لم تكتفِ إسرائيل بتدمير 90% من بنية غزة التحتية وقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني خلال عامين من الإبادة الجماعية، بل شرعت الآن في تفكيك ما تبقّى من القطاع عبر خطة مرحلية تجمع بين الزحف الجغرافي البطيء، والتجويع الممنهج، والتحضير لـ”جولة قتال شبه حتمية” تحت غطاء “المهمة لم تكتمل”.
تنديد شكلي وتواطؤ أمريكي
فبينما يتحدث العالم عن وقف إطلاق النار، تواصل آلة الاحتلال قضم الأراضي وإغراق السكان في أزمة عطش حادة، وسط مشهد دولي منقسم بين تنديد شكلي وتواطؤ أميركي واضح.
ففي تطور خطير لم تكتفِ إسرائيل بما أسمته “الخط الأصفر” الذي كان يسيطر على 53% من مساحة القطاع، بل أزاحته نحو الغرب بنسبة 8-9% إضافية لترسم ما بات يعرف بـ”الخط البرتقالي”، لتسيطر اليوم على نحو 60% من أراضي غزة.
وهذا ليس مجرد تغيير في الخرائط، بل هو تهجير قسري بامتياز، حيث تُجبر عشرات العائلات الفلسطينية على النزوح غرباً تحت وطأة القصف المدفعي والغارات الجوية التي تزعم إسرائيل أنها تستهدف “مقتربي الخط”.
أزمة عطش
وفي سياق متصل، حذّر المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، من أن المدينة تواجه أزمة عطش غير مسبوقة، حيث لا تصل المياه إلى 70% من السكان بشكل منتظم، مع اعتماد محدود على محطات تحلية تعاني نقصاً حاداً في الوقود وقطع الغيار.
وبينما تؤكد “الأونروا” أن 90% من مرافق المياه والصرف الصحي قد دُمّرت أو تضررت، يحذر مهنا من أن اقتراب فصل الصيف سيحوّل هذه الأزمة إلى “عطش واسع” يضاف إلى جوع مئات الآلاف الذين يعيشون في خيام لا تتوفر فيها أبسط مقومات الحياة.
ساحة تعويضية
عسكرياً، لا يخفي الاحتلال نواياه. فقد كشفت هيئة البث الإسرائيلية عن أن المجلس الوزاري المصغر “الكابينت” يبحث رسمياً إمكانية استئناف الحرب، وسط تسريبات عن مسؤولين كبار في هيئة الأركان يقولون علناً إن “المهمة في غزة لم تكتمل”.
بل إن القناة الـ15 الإسرائيلية نقلت عن مسؤول عسكري قوله إن “جولة قتال إضافية مع حماس باتت شبه حتمية”، مبرراً ذلك برفض الحركة نزع سلاحها. لكن الحقيقة الأعمق، كما يرى الخبراء، أن غزة تحولت إلى “ساحة تعويضية” لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يبحث عن جبهة مفتوحة لإرضاء شركائه اليمينيين المتطرفين وصرف الأنظار عن فشله في لبنان وإيران، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر المقبل.
على الجانب الآخر، يرسم تحليل للكاتب جيرار ديب، صورة أكثر قتامة للمشهد الدولي. ففي الوقت الذي أدانت فيه دول مثل تركيا وباكستان اعتقال إسرائيل لنشطاء “أسطول الصمود العالمي”، كان الرد الأميركي صادماً في وقاحته، إذ برر البيت الأبيض القرصنة البحرية الإسرائيلية بحجة “السيادة على المياه الداخلية”، واصفاً الأسطول بأنه “مناورة عديمة الجدوى”.
وهذا الموقف لا يعكس فقط الانحياز المطلق لإسرائيل، بل يكشف عن صدام أوروبي-أميركي متصاعد، حيث يهدد ترامب بسحب قواته من إيطاليا وإسبانيا بسبب رفضهما الحرب على إيران، ما يعني أن غزة تدفع ثمن صراعات كبرى لا علاقة لها بها.
خنق بطيء
والأكثر خطورة، أن أحداً لا يتحدث عن “اليوم التالي” في غزة. فبينما يرفض الاتحاد الأوروبي “الخط البرتقالي” ويجدد دعوته لتوحيد غزة مع الضفة تحت سلطة فلسطينية، تضع إسرائيل يدها على 60% من الأرض، وتخطط لتهجير 80% من السكان إذا ما استمعت لرغبة جمهورها الداخلي.
وحتى الآن، لم تلتزم إسرائيل بأي من استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، لا من حيث فتح المعابر بشكل كامل ولا تحسين الوضع الإنساني، الأمر الذي دفع “حماس” للتأكيد أن الاحتلال “يسعى لفرض واقع جغرافي وأمني وسكاني جديد يتعارض مع نص الاتفاق وروحه”.
الخلاصة المرّة أن غزة أصبحت رهينة لمعادلة بشعة: لا حرب شاملة توقف نزيف الدم، ولا سلام حقيقي يعيد الإعمار.
الاحتلال يخنق القطاع ببطء، يوسع سيطرته متراً متراً، يجوّع الناس ويظمئهم، ثم يتفنن في اختلاق الذرائع لاستئناف القتل تحت عنوان “نزع السلاح”.
الأسطول العالمي الذي حاول كسر الحصار اعتُقل بحّارته، والمساعدات التي تصل تكاد تكون معدومة، والمنظومة الدولية عاجزة عن توفير مياه نظيفة لأطفال غزة، بينما تستعد تل أبيب لـ”استكمال المهمة”.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة اليوم: كم فلسطينياً يحتاج الاحتلال ليقتل حتى يقول العالم كلمته في هذه الإبادة المستمرة؟ أم أننا ننتظر حتى تتحول غزة بأكملها إلى “خط برتقالي” يمحى من الخريطة؟
Comments are closed.