فخ “شارع العدل” و رسائل “فحم الكدم”: سلطان القرشي.. الوزير الذي نقش وجع اليمن على ورق السجائر
أنيسة أزل القرشي
قبل أن يكون اسماً في قوائم المخفيين، كان سلطان أمين القرشي (المولود عام 1938) في تعز بمديرية الشمايتين هو “ضمير الإرادة” في اليمن الجمهوري. وهو الاب لثمانية اطفال. وهو الحقوقي الذي شرب العلم من جامعة القاهرة، والمناضل الذي صعد السلم من رتبة ملازم ثانٍ عام 1964 ليصل إلى سدة وزارة التموين والتجارة عام 1974. لم يكن وزيراً للمكاتب، بل كان رجل الميدان والمبادئ، هو الذي وقف بشجاعةٍ أسطورية في المحكمة العسكرية ليتحمل مسؤولية قرارات وطنية ارتعشت من خلفها شوارب قادة عسكريين. هذا الرجل، الذي كان صمام أمان بين القوى السياسية، لم يدرك أن “نزاهته” هي التي ستجعل منه هدفاً لخديعة أمنية دنيئة، حوّلت حياته وحياة أسرته إلى جحيم ممتد منذ 47 عاماً.
في ليلة 20 فبراير 1978، لم يكن الموت هو من طرق باب الوزير القرشي في شارع العدل أمام المعهد الوطني بصنعاء، بل كان “الغدر” مرتدياً بزة رجل مرور. وبخسةٍ نادرة، ادعى العسكري أن سيارة الوزير صدمت طفلاً ولاذت بالفرار. انتفض القرشي، الذي لم يؤذِ في حياته نملة، قائلاً: “أنا مستحيل أن أترك طفلاً مرمياً وأهرب”.
كانت تلك الكلمات هي القيد الذي لفه الجلادون حول معصميه. سقط القناع سريعاً بكلمات الضابط: “محمد خميس يريدك”. دخل سلطان إلى زوجته الصابرة “أنيسة علوان”، التي كانت تحمل في أحشائها ابنه “أزل”، ودعها بقلبٍ مطمئن: “سأذهب، فخميس يريدني، ساعة وسأعود”. غادر بسيارته الخاصة، وحين جفّ الانتظار في صباح اليوم التالي، وجد أهله السيارة “اليتيمة” مركونة ببرود داخل حوش مبنى الأمن الوطني، لتعلن أن الوزير قد ابتلعه “قبو” لا يرحم.
لم يكتفِ النظام بتغييب الرأس، بل عاد لينكل بالجسد.
انتقل الحصار إلى منزل العائلة في “باب البلقة”. طوقت الأطقم العسكرية المنزل، ونُكل بالبنات الكبار “ابتسام وانتصار” في محاولات لكسر شموخ البيت. ثم جاءت اللحظة التي لم تجف مآقيها؛ لحظة انتزاع الابن “وضاح”.
وقفت الأم “أنيسة علوان” كالجبل الصامد أمام عتبة الدار، أطبقت يديها على أطراف الباب بكل ما تملكه من قوة الأمومة، تحمي فلذة كبدها من مخالب العسكر. وبينما كانت ترتجف هلعاً، صرخت الأجهزة اللاسلكية في أيدي الضباط بقرارٍ لا يعرف الرحمة: “خذوه بالقوة!”.

أنيسة علوان زوجة العقيد سلطان أمين القرشي(شبكات التواصل)
تحت وطأة السلاح والغدر، سقطت يدا الأم، واحترقت الدموع في عينيها شموخاً وهي ترى “وضاح” يُساق إلى مصير مجهول ليعذب في زنازينهم. وبمجرد اختفائهم عن الأنظار، تهاوت تلك القامة الشامخة وانهارت على عتبة الباب، تنظر للفراغ الذي تركه الرجال، وتناجي رباً لا ينام.
بينما كان الجهاز الأمني يروج بدم بارد أن القرشي قد صُفي في مايو 1978، جاء الرد الصاعق من قاع “سجن حنظل” المظلم بصنعاء. رسالة بتاريخ 12 أكتوبر 1978، لم تُكتب بحبر وقلم، بل بـ “فحم الكدم” (السواد الناتج عن احتراق أعواد الثقاب) وعلى “أوراق السجائر” الرقيقة.
كتب القرشي بمداد الوجع والدموع: “تحية من مقبرة الأحياء.. نعيش في زنازين لا تعرف الشمس.. نعيش حياة هي أدنى من حياة الحيوانات بكثير.. نشرب الماء كدراً”. وصف فيها كيف يُقبر الإنسان وهو حي، وكيف يُحرم من الضوء والهواء، مؤكداً أنه لم يجرِ معه تحقيق ولم تُوجه له تهمة. هذه الرسالة كانت “الصفعة” التي فندت روايات الأمن وأثبتت بالدليل القاطع أن سلطان ظل حياً يقاوم العتمة لأشهر بعد تاريخ تصفيتهم المزعوم.
عبر قرابة نصف قرن، طرق الأبناء والزوجة كل الأبواب؛ من رئاسة الجمهورية، إلى مجلس النواب، إلى الدكتور ياسين سعيد نعمان، وصولاً إلى المنظمات الدولية. وفي عام 2004، كان الرد من اللواء غالب مطهر القمش، رئيس جهاز الأمن السياسي، رداً يفيض بالاستعلاء: “المذكور لم يبقَ لدى الجهاز”.
لقد حاولوا شراء صمت العائلة عبر عروض بـ “جبر ضرر مادي” ومبالغ مالية مقابل إغلاق الملف. لكن نجل الوزير “وضاح سلطان القرشي” وقف شامخاً ليعلن للعالم: “لا نريد مالاً، ولا نقبل جبر ضرر قبل كشف الحقيقة. دم والدي لا يُباع بالورق، ومصيره لا يُقايض بالصفقات. هاتوا لنا القبر أو هاتوا لنا القيد. الحقيقة أولاً وبالكامل”.
إن قضية سلطان أمين القرشي هي جريمة “إخفاء قسري” مستمرة، ومصنفة دولياً كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
إننا لا نبحث عن ذكريات، بل نبحث عن “إنسان” أُخفي قسراً لأنه كان أنزه من أن يُترك طليقاً.
اليوم، أضع هذه الحقائق الدامية، وهذه الرسائل التي كُتبت بفحم الوجع، أمام الله والتاريخ والشعب اليمني. إن غياب سلطان هو غيابٌ للعدالة، وصمتنا هو رصاصةٌ أخرى في صدر الحقيقة.
والله على ما أقول شهيد..
Comments are closed.